قانون جديد للبراكاج في تونس والتوجه لتشديد العقوبة

ي ظلّ تصاعد المخاوف المجتمعية من تنامي جرائم السرقة باستعمال العنف، عاد النقاش التشريعي إلى الواجهة من خلال مقترح القانون عدد 073/2025 المتعلّق بتنقيح بعض أحكام المجلة الجزائية، والذي يهدف بالأساس إلى تشديد العقوبات المسلّطة على مرتكبي هذا الصنف من الجرائم. وفي هذا السياق، أكّد النائب فخر الدين فضلون، في تصريح خاص لـ“تونس الرقمية”، أنّ هذه المبادرة التشريعية جاءت استجابة لما وصفه بـ“استفحال” ظاهرة السرقات العنيفة، في وقت لم تعد فيه العقوبات الحالية رادعة بالشكل الكافي.

وأوضح فضلون، وهو أحد النواب المبادرين بهذا المقترح، أنّ المعاينة الميدانية والواقع الأمني يكشفان عن تنامٍ ملحوظ في جرائم السرقة باستعمال العنف، سواء في الفضاءات العامة أو داخل الأحياء السكنية، ما خلق حالة من القلق لدى المواطنين وأثّر سلبًا على الإحساس العام بالأمن. واعتبر أنّ المؤسسة الأمنية تقوم بدورها على أكمل وجه، وتبذل مجهودات كبيرة في مكافحة الجريمة، غير أنّ الإشكال الحقيقي—وفق تعبيره—يبقى في الإطار التشريعي الذي يسمح في بعض الحالات بتخفيف العقوبات، وهو ما يجعلها غير متناسبة مع خطورة الأفعال المرتكبة.

وفي هذا الإطار، شدّد النائب على أنّ مقترح القانون يهدف إلى إعادة النظر في فلسفة العقاب ذاتها، عبر تشديد درجات الردع وإرساء عقوبات واضحة وصارمة، بما يحدّ من هامش التأويل أو التخفيف. وأضاف: “إيمانًا منا بواجبنا التشريعي، ارتأينا ضرورة تنقيح بعض فصول المجلة الجزائية بشكل يحدد العقوبة بوضوح، والتي لا بدّ أن لا تقل عن 12 سنة ويمكن أن تصل إلى 20 سنة، خاصة في حالات السرقة المقترنة بالعنف أو التهديد”.

وأكد فضلون أنّ هذا التوجه لا ينطلق من منطق عقابي صرف، بل من رؤية شاملة تعتبر الأمن ركيزة أساسية للاستقرار والتنمية. وقال في هذا السياق: “الأمن أساس العمران، فلا تنمية ولا تقدم ولا رفاه دون أمن”، مبرزًا أنّ أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية لا يمكن أن تنجح في بيئة يسودها الخوف أو تنعدم فيها الطمأنينة. واعتبر أنّ تغليظ العقوبات يمثّل رسالة واضحة مفادها أنّ الدولة لا تتسامح مع الجرائم التي تمسّ بأمن الأفراد وممتلكاتهم.

وفي المقابل، أشار النائب إلى أنّ المعالجة الحقيقية لظاهرة الجريمة لا ينبغي أن تقتصر على الردع الجزائي وحده، بل يجب أن تندرج ضمن سياسة وطنية متعددة الأبعاد، تشمل أيضًا الجوانب التربوية والثقافية والاجتماعية. ولفت إلى أهمية الوقاية، ودور الأسرة والمدرسة والإعلام في ترسيخ قيم احترام القانون ونبذ العنف، إلى جانب توفير برامج إدماج اجتماعي واقتصادي للفئات الهشّة المعرضة للانحراف.

وبخصوص المسار التشريعي للمقترح، رجّح فضلون أن يحظى بتنقيح المجلة الجزائية بإجماع واسع داخل مجلس نواب الشعب، مذكّرًا بأنّ المبادرة قُدّمت منذ جويلية 2025. كما حيّا رئيس لجنة التشريع العام، فوزي الدعاس، على ما اعتبره تفاعلًا إيجابيًا مع المقترح، وسعيًا إلى تسريع النظر فيه، خاصة في ظلّ حساسية الموضوع وأهميته بالنسبة للرأي العام.

وكشف فضلون أنّ لجنة التشريع العام ستعقد جلسة استماع غدًا الجمعة مع جهة المبادرة، في خطوة أولى ضمن سلسلة من اللقاءات الهادفة إلى تعميق النقاش حول فحوى المقترح ومضامينه. كما أكّد انفتاح النواب المبادرين على كل التعديلات والمقترحات التي من شأنها تحسين النص، مبرزًا أنّ الهدف ليس فرض رؤية أحادية، بل الوصول إلى صيغة تشريعية متوازنة وناجعة.

وفي هذا السياق، أشار إلى أنّ جهة المبادرة ستقترح الاستماع إلى وزارة العدل، وإلى الهياكل الممثلة للقضاة، وهيئة المحامين، فضلًا عن مختلف الأطراف المتدخلة في الملف، ضمانًا لمقاربة تشاركية تأخذ بعين الاعتبار مختلف الزوايا القانونية والحقوقية.

أما من حيث المضمون، فإنّ مقترح القانون ينصّ، في فصل وحيد، على إلغاء أحكام الفصول 261 و262 و264 من المجلة الجزائية وتعويضها بأحكام جديدة أكثر صرامة. ووفق الصيغة المقترحة، ينصّ الفصل 261 (جديد) على معاقبة مرتكب السرقة الواقعة باستعمال أحد الأمور الأول والثاني والخامس من الأمور المقررة بالفصل 260 بالسجن من 15 إلى 20 سنة، وهو ما يعكس تشديدًا واضحًا مقارنة بالعقوبات المعمول بها حاليًا.

أما الفصل 262 (جديد)، فينصّ على أنّ مرتكب السرقة الواقعة بتوافر الأمرين الثالث والرابع من الأمور المقررة بالفصل 260 يعاقب بالسجن من 12 إلى 15 سنة، بما يضمن حدًا أدنى مرتفعًا للعقوبة، ويقلّص من إمكانية النزول بها إلى مستويات لا تعكس خطورة الفعل.

وبخصوص بقية حالات السرقة والاختلاس غير المشمولة بالفصول من 260 إلى 263، فإنّ الفصل 264 (جديد) يقترح عقوبة بالسجن لمدة خمس سنوات، إلى جانب خطية مالية قدرها ألفا دينار، وهو ما يهدف إلى توحيد العقوبات ووضع إطار قانوني أوضح وأكثر انسجامًا.

ويأتي هذا المقترح في سياق عام يتّسم بتزايد الدعوات إلى مراجعة المنظومة الجزائية بما يحقق توازنًا بين الردع وحماية الحقوق والحريات، خاصة في ظلّ التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها البلاد. وبين مؤيد يرى في تشديد العقوبات ضرورة ملحّة لاستعادة هيبة القانون، ومتحفّظ يدعو إلى التركيز أكثر على الوقاية والإصلاح، يبقى النقاش مفتوحًا داخل أروقة البرلمان، في انتظار ما ستسفر عنه جلسات الاستماع والنقاشات القادمة.

وفي المحصّلة، يعكس مقترح القانون عدد 073/2025 توجّهًا تشريعيًا يسعى إلى التعامل بجدية أكبر مع جرائم السرقة باستعمال العنف، عبر تغليظ العقوبات وتعزيز الردع، في إطار رؤية تعتبر الأمن شرطًا أساسيًا للاستقرار والتنمية، وتفتح في الآن ذاته الباب أمام نقاش وطني أوسع حول أنجع السبل لمكافحة الجريمة وحماية المجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى