بعد موسم الامطار الكشف عن نسبة امتلاء السدود

اعتبر المهندس الخبير في مجال المياه محمد صالح قليد، في تصريح إعلامي أدلى به يوم الاثنين 6 أفريل 2026، أن الحديث عن امتلاء السدود خلال الفترة الأخيرة يُعد مؤشرا مطمئنا نسبيًا، لكنه لا يعني بالضرورة انتهاء المخاوف المرتبطة بنقص الموارد المائية، خاصة عند النظر إلى حجم الاستهلاك المرتفع الذي تسجله تونس سنويًا.
وأوضح الخبير أن الإحصائيات المسجلة خلال سنة 2024 تُظهر أن نسبة استهلاك المياه بلغت نحو 3.7 مليار متر مكعب، وهو رقم يعكس الضغط الكبير على الموارد المائية، خصوصًا مع تزايد الطلب من القطاعين الفلاحي ومياه الشرب. وأشار إلى أن هذا المستوى من الاستهلاك يجعل أي تحسن ظرفي في مخزون السدود غير كافٍ لضمان استقرار الوضع المائي على المدى الطويل.
وبيّن أن ارتفاع نسبة استهلاك مياه الشرب وتوفيرها بالأساس من خلال استغلال المياه السطحية، أي مياه السدود، بنسبة تقارب 60 بالمائة، يمثل تحديًا إضافيًا في ظل حاجيات القطاع الفلاحي المرتفعة. كما لفت إلى أن هذا التوازن الدقيق بين متطلبات مياه الشرب وري الأراضي الزراعية يجعل الوضعية حساسة، خاصة مع تسجيل ارتفاع تدريجي في نسبة ملوحة المياه في بعض المناطق، وهو ما قد يؤثر على جودة المياه وصلاحيتها للاستعمال مستقبلاً.
وأكد أن الكميات المسجلة من التساقطات خلال هذه السنة تُعد إيجابية مقارنة بالسنوات الماضية التي شهدت فترات جفاف متتالية، إلا أن هذه المؤشرات لا يجب أن تدفع إلى التراخي أو الإفراط في الاستهلاك. وأضاف أن التغيرات المناخية أصبحت عاملًا حاسمًا في تحديد مستقبل الموارد المائية، حيث تظل إمكانية العودة إلى موجات الحر والجفاف خلال السنوات القادمة واردة، وهو ما يتطلب اعتماد سياسات استباقية في إدارة المياه.
وفي سياق متصل، شدّد الخبير على ضرورة مراجعة منظومة الإنتاج الفلاحي بما يتماشى مع الإمكانيات المائية المتاحة. واعتبر أن بعض الزراعات الحالية تستهلك كميات كبيرة من المياه مقارنة بمردودها الاقتصادي، داعيًا إلى إعادة النظر في طرق الري المعتمدة، والتوجه نحو تقنيات حديثة أكثر اقتصادًا للمياه مثل الري الموضعي والري بالتنقيط.
كما دعا إلى إعادة تقييم سياسة تصدير بعض المنتجات الفلاحية التي تستهلك كميات كبيرة من المياه، على غرار الطماطم والخضر الورقية، مشيرًا إلى ضرورة تحقيق توازن بين تلبية حاجيات السوق المحلية والحفاظ على الموارد الطبيعية. وأكد في المقابل أهمية المحافظة على قطاع الأشجار المثمرة، باعتباره قطاعًا استراتيجيًا يمكن أن يحقق مردودية اقتصادية جيدة مع استهلاك أقل نسبيًا للمياه مقارنة ببعض الزراعات الأخرى.
ومن بين الحلول المقترحة، أشار إلى أهمية تنويع مصادر المياه وعدم الاقتصار على المياه السطحية والجوفية فقط، خاصة في ظل تراجع كميات الأمطار في بعض السنوات. كما شدّد على ضرورة التوجه نحو استخدام المصادر غير التقليدية، مثل تحلية مياه البحر وإعادة استعمال المياه المعالجة، مع اعتماد الطاقات البديلة والمتجددة للحد من كلفة هذه العمليات.
وأوضح أن الاعتماد على الطاقات المتجددة يمكن أن يساهم في تخفيض كلفة تحلية المياه، سواء مياه البحر أو المياه المستخرجة من الآبار العميقة، وهو ما يساعد في المحافظة على الموائد المائية الجوفية التي تُعد من أهم الموارد الاستراتيجية للتنمية المستدامة ولضمان حقوق الأجيال القادمة في المياه.
كما أكد على أهمية توعية المواطنين بضرورة ترشيد استهلاك المياه، سواء في فترات الوفرة أو خلال فترات النقص، موضحًا أن الوعي المجتمعي يلعب دورًا أساسيًا في حماية هذا المورد الحيوي. ودعا إلى إدراج ثقافة المحافظة على المياه ضمن البرامج التربوية، بما يساهم في تربية الأجيال الجديدة على إدراك قيمة المياه باعتبارها عنصرًا حيويًا لا غنى عنه للحياة والاقتصاد.
وفي ختام تصريحه، شدّد على أن إدارة الموارد المائية تتطلب تضافر جهود جميع الأطراف، من مؤسسات الدولة إلى الفلاحين والمواطنين، مع اعتماد رؤية بعيدة المدى تقوم على التخطيط السليم والاستغلال الرشيد للمياه، بما يضمن استدامة هذا المورد الحيوي في مواجهة التحديات المناخية والاقتصادية المتزايدة.







